سيد محمد طنطاوي
103
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقول الملائكة لمريم إن اللَّه اصطفاك وطهرك . . إلخ الراجح أنهم قالوه لها مشافهة ، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية ، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال : روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا ، أو إرهاصا لنبوة عيسى - عليه السّلام - « 1 » . وقال الجمل قوله : * ( وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ) * أي مشافهة لها بالكلام ، وهذا من باب التربية الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها » « 2 » . وقيل كان خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة في النوم . والأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية ، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين ، ولأنه جاء صريحا في آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرا سويا وكلمها ، وذلك في قوله - تعالى - في سورة مريم : واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا . قال الآلوسي : « واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم : لأن تكليم الملائكة يقتضيها ومنعها اللقاني وغيره من العلماء ، لأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبي إجماعا ، فقد جاء في الحديث الشريف أنهم كلموا رجلا خرج لزيارة أخ له في اللَّه ، وأخبروه بأن اللَّه يحبه كما أحب هو أخاه ، ولم يقل أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضى نبوتها وهو الصحيح » « 3 » . ثم حكى القرآن أن الملائكة أمرت مريم بأن تكثر من عبادة اللَّه - تعالى - ومن المداومة على طاعته شكرا له فقال - تعالى - : * ( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) * . القنوت . لزوم الطاعة والاستمرار عليها ، مع استشعار الخشوع والخضوع اللَّه رب العالمين . أي : قالت الملائكة أيضا لمريم : يا مريم أخلصى العبادة للَّه وحده وداومى عليها ، وأكثرى من السجود اللَّه ومن الركوع مع الراكعين ، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قربا وحبا من خالقه - عز وجل - . فالآية الكريمة دعوة قوية من اللَّه - تعالى - لمريم ولعباده جميعا بالمحافظة على العبادات
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 361 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 269 . ( 3 ) تفسير الآلوسي بتصرف يسير - ج 3 ص 154 .